ابن ميثم البحراني
347
شرح نهج البلاغة
هذا الترتيب في كلامه عليه السّلام من الحكمة الَّتي بها يتميّز عن كلام من سواه وهو في غاية التنفير عن الدنيا وسدّ أبواب طلبها والجذب إلى اللَّه تعالى والإرشاد إلى لزوم الزهد الحقيقيّ . الخامسة : وصف المشترى بالمغترّ بالأمل باعتبار أنّ نظره إلى أمله في الدنيا هو الَّذي استلزم غفلته عن الآخرة وما خلق لأجله وكان ذلك الاغترار سببا لشرائه لتلك الدار . وجعل الثمن هو الخروج عن عزّ القناعة والدخول في ذلّ الطلب والضراعة باعتبار استلزام شرائه لذلك كما يستلزمه الثمن ، ووجه استلزامه لما ذكر أنّ تلك الدار كانت بالنسبة إلى حال شريح فضلة زائدة على قدر الحاجة . وكلّ فضل اقتناه الإنسان زيادة على قدر ضرورته فقد خرج به عن حدّ القناعة إذ القناعة هي الرضا والاقتصار على مقدار الحاجة من المال وما يحتاج إليه ، وعلمت أنّ القناعة مستلزمة لقلَّة الاحتياج إلى الخلق والغنى عنهم وبحسب الغني وأقليّة الحاجة يكون عزّ القناعة والخارج عن القناعة خارج عن عزّها وداخل في ذلّ الطلب والضراعة للخلق لأنّه باعتبار ما هو خارج عن القناعة يكون كثير الحاجة إلى الخلق وباعتبار ذلك يكون داخلا في الذلّ والضراعة إليهم . وغاية ذلك التنفير عن اقتناء فضول الدنيا بما يستلزمه من ذلّ الحاجة إلى الخلق . السادسة : علَّق الدرك والتبعة اللازمة في هذا البيع بملك الموت قطعا لأمل الدرك وتذكيرا بالموت لغاية الأمل له والاقتصار على قدر الحاجة من متاع الدنيا ، وكنّى عنه بمبلبل أجسام الملوك وسالب نفوس الجبابرة ومزيل ملك الفراعنة لسلبه لنفوسهم ، وفي تخصيص مثل هؤلاء الملوك بأخذ الموت لهم في معرض تعليق الدرك به تنبيه لهذا المشترى على وجوب تقصير الأمل بمثل هذه الدار ونحوه من الآمال المتعلَّقة بالمطالب المنقطعة بالموت فإنّه إذا كان قد قطع آمال مثل هؤلاء ولم يدركوا معه تبعة فبالأولى أنت أيّها القاضي . السابعة : قوله : ونظر بزعمه للولد : أي نظر في جمع المال لولده ورآه مصلحة له بظنّه وزعمه . والباء للسببيّة . إذ كان ظنّ وجود الرأي الأصلح سببا له .